الجاحظ
38
كتاب البغال
تقول : من قال لي زانية فهي زانية ، من قال لي لصّة فهي لصة ، من قال لي قوّادة فهي قوادة . هاتي الآن رحى لك ! . وأخبرني أبو الزّبير كاتب محمد بن حسّان - ، قال : وقف الهيثم بن مطهّر الفأفاء على باب الخيزران « 1 » ينتظر رجلا يخرج من عندها ، فبعث إليه عمر الكلوذانيّ : قد نهينا أن نجعل ظهور دوابّنا مجالس ، فانزل عن ظهر دابّتك ؛ فالأرض أحمل لثقلك . فقال للرسول : إني أنتظر رجلا قد حان خروجه ، فبعث إليه : أن أنزل عن دابتك ، فإذا خرج صاحبك فاركب والحق به . فقال للرسول : أعلمه أنّي أعرج ، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم ، ولا آمن أن يسبقني الرجل سبقا بعيدا ، فلا ألحقه . فردّ الرسول ، فقال : يقول لك : إن أنت نزلت ، وإلّا أنزلناك صاغرا . فقال الهيثم : قل له : إن كنت إنّما تنظر للبغل ، فهو حبيس في سبيل اللّه ؛ إن أنزلتني عنه ، إن أقضمته حبّة شعير شهرا ، فسله الآن : أيّما أحبّ إليه : ركوبي له ساعة ، أو حرمان الشعير شهرا ! فلما جاءته الرسالة قال : ويلكم ! هذا شيطان ! دعوه في لعنة اللّه . قال : ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى « 2 » ، وهو واقف في ظلّ قصر من قصور الشّمّاسيّة « 3 » ، فنظرا إلى شيخ عجيب الخلقة ، وإذا تحته بغل أعجف ، يكاد يسقط هزالا وضعفا ؛ فقالا له : يا شيخ ، لولا تعالج
--> ( 1 ) هي الخيزران ابنة عطاء ، مولدة من جرش باليمن ، وكانت أم ولد للمهدي ، وهي أم موسى الهادي وهارون الرشيد . وكان لها شأن في الدولة العباسية . توفيت سنة 174 ه في خلافة الرشيد . ( 2 ) هو يحيى بن خالد البرمكي ، وزير هارون الرشيد ، وكان يقال له : يا أبي ، إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه وحبسه فمات في الحبس سنة 190 ه . وكان له من الأبناء : جعفر ، والفضل ، ومحمد وموسى . ( 3 ) الشماسية : موضع مجاور لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد .